ابن كثير

108

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ الآية ، أي بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة ، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه ، ومع هذا فأبى أكثر الناس إلا كفورا أي جحودا للحق وردا للصواب . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 90 إلى 93 ] وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ( 92 ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً ( 93 ) قال ابن جرير « 1 » : حدثنا أبو كريب ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني شيخ من أهل مصر قدم منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة ، عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ورجلا من بني عبد الدار ، وأبا البختري أخا بني أسد ، والأسود بن المطلب بن أسد وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد اللّه بن أبي أمية ، وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج السهميين ، اجتمعوا أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه « 2 » . فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك ، فجاءهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء « 3 » ، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم « 4 » حتى جلس إليهم ، فقالوا : يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك ، وإنا واللّه ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء وعبث ؟ ؟ ؟ الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة ، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك ، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا ، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما بي ما تقولون ، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في

--> ( 1 ) تفسير الطبري 8 / 149 ، 150 ، 151 . ( 2 ) حتى تعذروا فيه : أي حتى تقدموا العذر فيه ، فلا تلامون بعد ذلك على ما يكون بينكم وبينه . ( 3 ) أي ظهر لهم ما لم يكن معروفا قبلا . ( 4 ) العنت : ما بشق على المرء فعله .